الشيخ الطبرسي

115

تفسير جوامع الجامع

والحَسَنُ قَبيحَاً ، وإذا خَذَلَهُ اللهُ فَمِنْ حَقِّ الرَّسولِ صلوات الله عليه أَن لا يَهتَمَّ بأَمْرِهِ ولا يَتَحَسَّرَ . وعنِ الزَّجَّاج : أَنَّ المعنى : أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَليهِم حَسْرَةً ؟ فَحُذِفَ لدلالة ( فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ ) عَليهِ ، أَو : أَفَمَنْ زُيِّن لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَنْ هَداهُ الله ؟ فَحُذِفَ لِدَلالةِ ( فإنَّ اللهِ يُضِلُّ مَنْ يَشَآءُ ويَهْدِى مَن يَشَآءُ ) عَليهِ ( 1 ) . وَ ( حَسَرت ) مَفْعُولٌ لَهُ ، أي : ولا تُهْلِكْ نَفْسَكَ للحَسَراتِ ، و ( عَلَيْهِمْ ) صِلَةُ ( تَذْهَبْ ) كَمَا تقُولُ : هَلَكَ عَليهِ حُبَّاً ، ويجوزُ أَن يكُونَ حَالاً ، كأنَّ كُلَّها صَارَتْ حَسَرات لِفَرْطِ التَحَسُّرِ . ( فَتُثِيرُ سَحَاباً ) أي : تُهيِّجُهُ ، وجَاءَ على لَفْظِ المضَارعِ دونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لِتَحْكي الحالَ الَّتي تَقَعُ فيهَا إثَارةُ السَّحَابِ ، وتَستَحْضرَ تلكَ الصُّورةَ البَدِيعةَ الدَّالَة على كَمالِ القُدْرةِ الربَّانيَّةِ ، وكذلكَ سَوْقُ السَّحَابِ إلَى البَلَدِ الميِّتِ وإحْياءُ الأَرضِ بالمَطَرِ بَعْدَ مَوتِها لِمَا كانَ من الدَلائِل علَى القُدْرةِ ، قَالَ : ( فَسُقْنَاهُ . . . فَأحْيَيْنَا ) مَعدُولاً بِهِمَا عَنْ لَفْظِ الغيبةِ إلى ما هو أَدخَلُ في الاختِصَاصِ ، والكَافُ في ( كَذلِكَ ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ ، أَي : مِثْلُ إحْياءِ المَواتِ نُشُورُ الأَمْواتِ . تَقديرُهُ : مَنْ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلبْهَا عنْدَ اللهِ ، فَوَضَعَ قَولَهُ : ( فَلِلَّهِ الْعِزّةُ جَمِيعاً ) مَوضِعَهُ استِغْنَاءً بِهِ عَنْهُ ؛ لِدَلالتِهِ عليهِ ، فإنَّ الشَّيءَ لا يُطلَبُ إلاَّ عندَ صاحبِهِ ومَالِكِهِ ، ومَعنَاهُ : العزَّةُ كُلُّهَا مُخْتَصَّةٌ باللهِ : عِزَّةُ الدُّنيا وعِزَّةُ الآخرةِ ، فَمَنْ أَرادَ العزَّةَ فَلْيَتَعزَّزْ بطاعَةِ اللهِ . ويَدُلُّ عليهِ ما رَواهُ أَنَسٌ عن النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قَالَ : " إنَّ ربَّكُم يقُولُ كُلَّ يَوم : أَنا العَزيزُ ، فَمَن أَرادَ عزَّ الدارَيْنِ فَلْيُطِعِ العَزيزَ " ( 2 ) .

--> ( 1 ) معاني القرآن : ج 4 ص 264 . ( 2 ) رواه البيهقي في الصِّفات والأسماء : ص 34 .